محمد الريشهري

157

موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ

أسفرت . إنّي أخاف عليكم أن يلتقي غارّان منكم فيقتتلا ، ثمّ يُتركا كالأحلاس ( 1 ) الملقاة بنجوة ( 2 ) من الأرض ، ثمّ يبقى رِجْرِجة ( 3 ) من الناس لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن منكر ، إنّها قد جاءتكم فتنة كافرة لا يُدرى من أين تؤتى ! تترك الحليم حيران ، كأنّي أسمع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بالأمس يذكر الفتن فيقول : " أنت فيها نائماً خير منك قاعداً ، وأنت فيها جالساً خيرٌ منك قائماً ، وأنت فيها قائماً خير منك ساعياً " . فثلّموا سيوفكم ، وقصّفوا رماحكم ، وانصلوا سهامكم ، وقطّعوا أوتاركم ، وخلّوا قريشاً ترتق فتقها وترأب صدعها ؛ فإن فعلت فلأنفسها ما فعلت ، وإن أبت فعلى أنفسها ما جنت ، سمنُها في أديمها ، استنصحوني ولا تستغشّوني ، وأطيعوني ولا تعصوني ، يتبيّنْ لكم رشدكم ، ويصلى هذه الفتنة من جناها . فقام إليه عمّار بن ياسر ، فقال : أنت سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول ذلك ؟ قال : نعم ، هذه يدي بما قلت ، فقال : إن كنت صادقاً فإنّما عناك بذلك وحدك ، واتّخذ عليك الحجّة ، فألزم بيتك ولا تدخلنّ في الفتنة ، أما إنّي أشهد أنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أمر عليّاً بقتال الناكثين ، وسمّى له فيهم من سمّى ، وأمره بقتال القاسطين ، وإن شئت لأُقيمنّ لك شهوداً يشهدون أنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) إنّما نهاك وحدك ، وحذّرك من الدخول في الفتنة ، ثمّ قال له : أعطني يدك على ما سمعت ، فمدّ إليه يده ، فقال له عمّار : غلب الله من غالبه وجاهده . ثمّ جذبه فنزل عن المنبر ( 4 ) .

--> ( 1 ) الأحلاس : جمع حِلْس ؛ وهو الكساء الذي يلي ظهر البعير تحت القَتَب ( النهاية : 1 / 423 ) . ( 2 ) النجوة : ما ارتفع من الأرض ( لسان العرب : 15 / 307 ) . ( 3 ) الرِّجْرِجة - في الأصل - : بقيّة الماء الكَدِرة في الحوض المختلطة بالطين ، فلا ينتفع بها . والمراد هنا : رُذالة الناس ورَعاعَهم الذين لا عقول لهم ( انظر النهاية : 2 / 198 ) . ( 4 ) شرح نهج البلاغة : 14 / 14 ؛ الدرجات الرفيعة : 265 وراجع الأخبار الطوال : 145 والجمل : 247 .